الفيض الكاشاني

268

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

* ( بيان تحريم الغيبة بالقلب ) * اعلم أنّ سوء الظنّ حرام مثل سوء القول ، وكما يحرم عليك أن تحدّث غيرك بلسانك بمساوي الغير فليس لك أن تحدّث نفسك بذلك ولا تسيء الظنّ بأخيك ، ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسّوء ، وأمّا الخواطر وحديث النفس فهو معفوّ عنه بل الشكّ أيضا معفو عنه ، ولكنّ المنهيّ عنه أن تظنّ والظنّ عبارة عمّا تركن إليه النّفس وتميل إليه القلب وقد قال تعالى ( 1 ) : « اجتنبوا كثيرا من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم » وسبب تحريمه أنّ أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل فعند ذلك لا يمكنك أن لا تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بإذنك ثمّ وقع في قلبك فإنّما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذّبه فإنّه أفسق الفسّاق وقد قال اللَّه تعالى : « يا أيّها الَّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة » ( 2 ) فلا يجوز تصديق إبليس وإن كان ثمّة محيلة تدلّ على فساد واحتمل خلافه لم يجز أن تصدّق به وإن كان الفاسق يتصوّر أن يصدّق في خبره ولكن لا يجوز لك أن تصدّق به حتّى أنّ من استنكه فوجد في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن يحدّ إذ يقال : يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجّه وما شربه أو حمل عليه قهرا ، فكلّ هذه دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب وإساءة الظنّ بالمسلم بها ، فقد قال : صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السّوء » ( 3 ) فلا يستباح ظنّ السّوء إلا بما يستباح به المال وهو نفس مشاهدته أو بيّنة عادلة فإذا لم يكن ذلك وخطر لك سوء الظنّ فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرّر عليها أنّ حاله عندك مستور كما كان فإنّ ما رأيته فيه يحتمل الخير والشرّ .

--> ( 1 ) الحجرات : 12 . ( 2 ) الحجرات : 6 . ( 3 ) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند ضعيف ( المغني ) ولابن ماجة نحوه من حديث ابن عمر تحت رقم 3932 .